اسماعيل بن محمد القونوي
11
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وما الجدال فيه لحل عقده واستنباط حقائقه وقطع تشبث أهل الزيغ به وقطع مطاعنهم فيه ) وما الجدال أي في القرآن لحل عقده جمع عقدة وهي المشكل والخفي من القرآن كما صرح به أئمة الأصول وقطع تشبث أهل الزيغ أي أهل الميل عن الحق إلى الباطل كالجبرية والمجسمة والمشبهة وغير ذلك من أهل الهواء وقطع مطاعنهم أي قطع طعنهم في القرآن كمخالفة آية لآية أخرى مثلا على زعمهم الفاسد . قوله : ( فمن أعظم الطاعات ) ولذلك صرف أهل الحق عنان همهم إلى ردهم وإبطالهم بالدلائل العقلية والنقلية ووضعوا مقدمات أنيقة وأدلة يقينية وخطابات نافعة وقياسات جدلية وأسسوا بنيان ذلك وشيدوا أركانهم بحيث لا مجال لأهل الهواء في بحثهم فضلا عن ردهم شكر اللّه مساعيهم وأسكنهم في أعلى الجنان مع اللطف والرضوان . قوله : ( ولذلك قال عليه السّلام أن جدالا في القرآن كفر بالتنكير ) المفيد للتبعيض بمعونة المقام والبعض الذي هو كفر هو الطعن وإرادة ابطاله والبعض الذي هو خلافه جدال في ذب الطاعنين ودفع المخاصمين . قوله : ( مع أنه ليس بجدال فيه على الحقيقة ) جواب آخر يمنع أنه جدال فيه على الحقيقة وإن كان جدالا فيه صورة والجواب الأول بناء على تسليم أنه جدال وأيده بالحديث الشريف كما عرفته والموافق للقانون تقديم هذا الجدال والجدال إن أريد به المخاصمة الباطلة فإطلاق الجدال على الجدال المذكور هو مجاز للمشاكلة فإن أصله من جدل الحبل إذا فتله لما فيه من العدول عن الحق والبحث جدال عنه لا فيه فإنه يتعدى بعن إذا كان للمنع عن الحق ونفي لخلافه وبالياء أيضا كما في قوله : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 15 ] وإن أريد به المخاصمة مطلقا فإطلاق الجدال على ما ذكر حقيقي والحديث المذكور مبني على ذلك كما عرفته ويؤيده قوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي [ النحل : 125 ] الخ . قوله : ( فلا يغررك إمهالهم ) كناية عن نهيه عليه السّلام عن الغرور بسبب إمهالهم حقيقة وجه دلالة التنكير على هذا المعنى هو افادته أنه جدال حقير لا يعتد به ملحق بالعدم والنكرة كما يعبر بها دلالة على تعظيم المعنى كذلك قد يعبر بها للدلالة على تحقير المعنى وعدم الاعتداد به قال الإمام استعمال الجدال أي تعديته بفي مشعر بالجدال الباطل واستعماله بعن مشعر بالجدال لأجل تقريره والذب عنه فإن الجدال نوعان حق وباطل إما الحق فهو حرفة الأنبياء قال تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا والجدال في آيات اللّه هو أن يقول مرة أنه سحر ومرة أنه شعر ومرة أنه أساطير الأولين وأقول أما مناسبة استعماله بفي للباطل فلتضمنه حينئذ معنى الطعن المعدى بكلمة في يقال طعن فيه وأما مناسبته للحق إذا استعمل بعن فلتضمنه إذا معنى التفتيش المعدى بكلمة عن يقال فتشت عنه قال الراغب الجدال المناقضة على سبيل المنازعة والمغالبة وأصله من جدلت الحبل أحكمت فتله وجدلت البناء أحكمته .